مجموعة مؤلفين
325
الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )
وأما الخلوة عند ابن عربى ، فهي تعنى الانقطاع الحقيقي عن الخلق في مكان « 1 » ، فيقول ابن عربى لمريده : « فلا بد لك من إيثار الخلوة عن الملأ ، فإنه على قدر بعدك من الخلق يكون قربك من الحق ظاهرا وباطنا « 2 » » . ويقول أحمد بن سليمان النقشبندي ، نقلا عن ابن عربى ، في كتابه « حلية الأبدال » : « وأرفع أحوال العزلة الخلوة ، فإن الخلوة عزلة في العزلة ، فنتيجتها أقوى من نتيجة العزلة العامة » « 3 » . بعد ذلك يفرّق ابن عربى بين خلوة الصوفية وخلوة الفلاسفة ، فهناك من يصطنع الخلوة لصفاء الفكر ليكون صحيح النظر فيما يطلبه من العلم ، وهذا لا يكون إلا للذين يأخذون العلوم من أفكارهم كالفلاسفة ، ومثل هذه الخلوة لا يدخلها أهل اللّه ، لأن خلوة هؤلاء بالذكر ، وليس للفكر عليهم فيها سلطان . وينصح ابن عربى مريده بأنه إذا استحكمه الفكر في خلوته فليخرج منها ، وليعلم أنه لا يراد لها ، وأنه ليس من أهل العلم الإلهى الصحيح « 4 » . وابن عربى في هذه التفرقة موافق لبعض من تقدمه من شيوخ الصوفية كالسهروردى البغدادي الذي يشترط أن تكون عزلة الصوفية وخلوتهم
--> ( 1 ) يأخذ الشاذلية أيضا ومنهم ابن عطاء اللّه السكندرى بهذه التفرقة بين العزلة والخلوة ( انظر كتابنا عن ابن عطاء اللّه السكندرى وتصوفه ، ص 150 وما بعدها . وعبارات ابن عطاء اللّه في كتابه « مفتاح الفلاح » مشابهة لعبارات ابن عربى ، فلعله أخذ عنه . وتأثر بقواعد ابن عربى في العزلة والخلوة كذلك أصحاب الطريقة الخلوتية المنسوبة إلى الشيخ محمد البالسى الخلوتى . وقد بين لنا مصطفي كمال الدين البكري أحد شيوخ هذه الطريقة الكبار بمصر أنه صنف لأتباع الطريقة رسالة عنوانها « حديث الأحباب فيما للخلوة من الشروط والآداب » لخص فيها « رسالة الخلوة » لابن عربى ( التي يذكر أن لعبد الكريم الجيلى شرحا عليها ) ، و « رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار » ، وذكر شيئا من رسالته هذه - التي هي ملخص لرسالتى ابن عربى - في رسالة أخرى عنوانها « بلوغ المرام في خلوة خلوتية الشام » ( شرح ورد سحر ، ورقة 62 أ ) ، وفي هذا دلالة على مدى تأثر أصحاب الطرق المتأخرين بقواعد ابن عربى العملية في التصوف . ( 2 ) رسالة الأنوار ، ص 13 ( 3 ) النور المظهر ، ص 8 ( 4 ) الفتوحات المكية ، ج 2 ، ص 201 - 202 .